ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري الإثم التاسع

لمحة نيوز

حين قال
_ لو الموضوع استدعى هحضر.
كانت هيام تتوعد الى يزيد بالهلاك ولكن الأخير لم يبالي انما تابع بجمود
_ اصل المأذون أتأخر فممكن يكون الدنيا مش ماشية تمام جوا.
وهل لا يعلم لقد كان يجلس على الجمر ينتظر أن يأتي الشيخ ليعلن انفصالها عن ذلك الرجل حتى يستطع أن يهنأ في نومه ولو لليلة واحدة فمهما ادعى عدم الاهتمام فبمجرد أن يختلي بنفسه يبدأ عذاب لا مثيل له ولم يعد في مقدروه تحمله. 
_ واحنا مالنا. يتأخر ولا ان شالله ما جه.
لم يستطع الإنتظار فقد كان يقرضه و كأن عقارب الساعة تلدغ قلبه بكل دقيقة تمر عليه لذا نصب عوده وهو يتلحف بعباءته فوق ذلك الجلباب الأبيض الذي يبرز عوده الفارع و جسده المعضل ليتوجه إلى الداخل تزامنا مع حديث عبد الحفيظ الغاضب 
_ أظن ميرضيش ربنا أنها تأخد الدهب كمان. مش كفاية هتاخد المبلغ دا كله وهما مغرموش حاجه في الجوازة دي
تولى ياسر الإجابة بنبرة خشنة 
_ وانت كان حد ضربك على ايدك عشان تكتب القايمة دي لما هما مجابوش حاجة يا حاج عبد الحفيظ
عبد الحفيظ بجفاء
_ مكنتش مدي خوانه ولا كنت اعرف انهم هيعملوا كدا في ابني.
ياسر بصرامة
_ القايمة دي عقد وابنك مضى عليه و مضى أنه الحاجة دي تخص بنت عم مرزوق وهو أمين عليها ولا هو مش أمين يا حاج عبد الحفيظ
عبد الحفيظ بحنق
_ القايمة بمبلغ كبير اوي. نقسم البلد نصين حتى.
ياسر بجفاء
_ ولا ربعين. الراجل لما يقول كلمة يبقى قدها ولا ايه يا رجالة
جابر بوقار
_ والله يا ياسر يا ابني الحاج عبد الحفيظ فاجأني بصراحة. طول عمري اعرف عنه أنه راجل حقاني و ميرجعش في كلمته.
ياسر بنبرة يشوبها السخرية
_ ماهو السمع غير الشوف و بعدين يا حاج عبد الحفيظ دا الرقم اللي مكتوب في الورق دا ميجيش نقطة في بحر من اللي عندك. مش مستحق الفصال دا كله.
قال جملته وهو يقلب الورق الخاص بقائمة المنقولات بين يديه باستخفاف ليحاول عبد الحفيظ كظم غيظه قدر الإمكان وهو يقول
_ خلينا نخلص يا حاج جابر.
ياسر بجفاء
_ و حق الولية
عبد الحفيظ بحنق
_ تاخده عالجزمة.
لم يستطع منه الكلمات من الإفلات من بين شفاهها حين قال
_ هات المأذون يا ابني.
إلى هنا و لم يعد يملك من الجلد ما قد يمكنه من البقاء و خاصة حين قال جابر موجها حديثه إلى مرزوق 
_ ابعت هات غنى عشان رأفت يرمي عليها يمين الطلاق.
في تلك اللحظة كان يود لو يخرج قلبه من مكانه ويلقي به في أعماق بحرا هائج حتى يتخلص من شعوره المخزي بالسعادة كونها ستتحرر أخيرا ولكنه و لسوء حظه لا يستطع التبرأ منه كل ما استطاع
فعله هو البقاء جامدا حين أطلت بشمسها الحزينة على مجلسهم و عينيها تزوغ في كل الوجوه الا وجهه لتبدأ أنفاسه بالتناحر بصدره وهو يستمع إلى حديث الشيخ و قلبه يدق بعنف إلى أن استمع إلى تلك الجملة التي كانت كإطلاق سراح سجين قضى عمره بين غياهب السجون و الآن تحرر
_ أنت طالق.
ظاهريا كانت هي من أطلق سراحها ولكن داخليا هو من تحرر و أخيرا سينام الليل مطمئنا بأنها لا تنتمي لرجل آخر.
وقعت عينيه عليها رغما عنه ليتفاجيء حين وجد عبرات غزيرة صامته تنهمر على وجنتيها فجن جنونه هل هي حزينة على خلاصها من شبه الرجل هذا ألم تكن تريد الإنفصال عنه
تناحر الألم بصدره وود في تلك اللحظة لو يقوم بصفعها حتى يدمي وجهها الجميل هذا و يخرج جميع شحنات غضبه و ألمه طوال العامين الماضيين. لذا اختار أن يهرب حتى لا يفعل ما قد يضعه تحت طائلة الاتهامات فلم يلحظ نظرتها التي تعلقت بظهره وكأنها تريد أن تهرول إلى ذراعيه و تصرخ بملء فمها لقد تحررت ولكن ملامحه كانت خير دليل على كلماته ظهر اليوم بأنه يفعل معها ما يفعله مع الكثير غيرها.
انتهت الجلسة و تسلم مرزوق مبلغا من المال لا بأس به و معه جميع متعلقاتها و توجه معها إلى بيت رضا حيث ينتظرهم الجميع هناك فما أن دلفوا إلى باب البيت حتى هرولت أسيا إلى غنى لتحتضنها بينما دلف مرزوق إلى الداخل وهو منكث الرأس و كأنه عائد من معركة كان هو الطرف الخاسر بها.
جذبتها آسيا إلى الداخل وهي تقول بلهفة 
_ خلاص خلصتي 
أومأت غنى بصمت وكأنها غير مصدقة لتهتف أسيا بعدم فهم
_ بت القطة كلت لسانك
ناظرتها غنى بضياع و هي تنظر إلى يديها التي لازالت تحتوي اخر شيء يربطها بهذا الرجل وهي تلك الحلقة التي يضيق بها صدرها لتقوم بجذبها من يدها وبكل قوتها قامت بإلقائها من النافذة وهي تهتف بسعادة غامرة
_ انطلقت. خلاص. خلصت. الكابوس انتهى.
التفتت تناظر أسيا بفرحة جعلت أنهار من الدمع تتفجر في مقلتيها وهي تعيد قولها بصراخ
_ الكابوس خلص. خلاص يا أسيا. انا حرة. انا حرة.
أخذت تقفز كالأطفال وهي تبكي بطريقة هستيرية فقامت أسيا باحتضانها بقوة وهي تقول ببكاء
_ يا قلبي اخيرا.
غنى بهمس من بين عبراتها
_ أخيرا خلاص. خلاص يا أسيا.
أخذت الفتاتين تحتضنان بعضهم البعض و انخرطوا في نوبة بكاء كانت تعبيرهم الوحيد عن فرحتهم بانقشاع تلك الغمة.
حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله وإنا إلى الله لراغبون 
_ و بعدين يا أمين هنعمل ايه يا ابني 
هكذا هتفت مديحة بقهر فزمجر أمين بغضب
_ العمل عمل ربنا. اديني مستني اشوف
المحامي الزفت دا هيعمل ايه
مديحة بانفعال 
_ كله من بوز الاخس دي هي اللي جابتلنا الفقر.
أمين بحنق
_ سيبك منها دلوقتي. انا لازم اعمل اي حاجه تخرجني الأزمة دي. حتى لو هبيع هدومي.
مديحة باستنكار
_ يالهوي تبيع هدومك ايه هي حصلت لكدا طب مفيش حل يا ابني 
أمين بتفكير 
_ في حل بس عايز كتير.
_ حل ايه
شاركها أمير تفكيره قائلا 
_ قضية المخدرات اللي كنت ماسكها. ممكن نطبخها اني كنت هناك في مأمورية تبعها في واد من اللي شغالين في البيت دا ممكن يعترف أنه كان مرشد ليا هناك وأني روحت عشان اشوف ايه الدنيا. دا الحل الوحيد اللي قدامي و خصوصا أن ملفي نضيف.
مديحة بلهفة
_ طب و مستني ايه ما نعمل كدا.
امين بحنق
_ ما احنا عملنا. المشكلة في بنت الكلب اللي هناك. البت مصوراني و حالفة لو متجوزتهاش هتوريهم التسجيلات.
مديحة باستهجان
_ يا نهار اسود. الله يخربيتها بنت ال طب وبعدين
امين بغل
_ والله لو اتنشرت ما هنولها اللي في بالها. بس انا محتاج اسد بقها و أسايرها لحد ما اخلص من الورطة دي.
مديحة بحنق
_ هتسد بق مين ولا مين دي عالمة يعني ميملاش عنيها الا التراب.
زفر امين بغضب
_ هبيع العربية و اشوف هقدر اتصرف في ايه تاني.
لمعت عينيها بتفكير شيطاني فهتفت بلهفة
_ و تبيع عربيتك ليه ما تبيع دهب المحروسة اللي متلقحة فوق دي.
برقت عينيه بإعجاب من تلك الفكرة ليقول بلهفة
_ تصدقي فكرة.
مديحة بتخطيط 
_ و مش بس كدا. دي تنزل تشتغل زي النسوان لحد ما تنزاح الغمة دي و تطل
منها و تقف على رجلك.
امين بصدمة
_ بتقولي ايه تشتغل ازاي
مديحة بإقناع
_ ايوا تشتغل. ما انت شايف الستات كلها بتشتغل اهي و بتساعد رجالتها في العيشة وانت أديلك كام سنة متجوزها و مهننها و مدلعها. تسد بقى هي شويه لما حالك يتعدل.
راقت له الفكرة كثيرا فأخذ يقلب الأمر داخل عقله قبل أن يقول باستحسان 
_ تصدقي فكرة.
ربي إني لما أنزلت إلي من خيرا فقير 
_ يعني انت فين دلوقتي يا رحيم
هكذا تحدث خالد على الهاتف مع رحيم الذي أجابه وهو يقوم بصف سيارته بجانب أحد المحلات 
_ بجولك اني رايح لياسر و هتكلم معاه و هجوله على كل اللي عندي و مش بس أكده انا هسلمه حجه أن مرديش يستلم الأرض هشتريها منه و اخلوص من الموال الطين ده.
خالد بتفكير
_ طب مش كنت تستنى شوية لما تفكر هتقوله ايه في موضوع عمتك صافية
رحيم بتعب 
_ هجوله اللي يخصه يا واد عمي. عرفت منين و ازاي دا ميخصوش.
_ طب تحب اجيلك
رحيم بحزن
_ هتاچي تعمل ايه يا خالد مالوش لزوم
هو جدر ولازم اتجبله. متجلجش عليا. اني هجف اصور الورج كله و اسيبهوله لحد ما يشوف هيعمل ايه و ناوي على ايه و لو حب يتكلم هحكيله واريح روحي.
خالد باختصار
_ ربنا معاك. ابقى طمني لما تخلص.
_ أن شاء الله خير.
أنهى رحيم مكالمته و توجه إلى تلك المطبعة العتيقة قائلا بصوته الخشن
_ يا رب يا ساتر.
انتفض جسد نجاة التي كانت تمسك بحفنة من الأوراق و تقوم بترتيبها فهي تتناوب في العمل في تلك المطبعة مع شروق التي كانت متعبة اليوم فلم تستطع الحضور وحين كانت منشغلة بعملها تقاجئت من هذا الضخم الذي كان يسد مدخل الباب بطريقة أجفلتها و خاصة حين نادى مرة أخرى بصوته الغليظ
_ ياللي هنه.
خرجت نجاة من تلك الغرفة الجانبية التي يضعون بها آله طباعة الورق وهي تقول بانفعال
_ اي في اي يا چدع انت بتنادي في ملأه ولا اي
تفاجيء من تلك الفتاة التي كانت ترتدي الأسود و تتحدث باللغة الصعيدية التي يعرفها جيدا و خاصة تلك اللكنة التي لن يخطيء في معرفتها فأجابها بجفاء
_ ايه يا ست أنت بنادي محدش بيرد اجف طول النهار مستني طلتك ولا اي
ما أن أنهى جملته حتى كانت وصلت لتقف أمامه مباشرة فإذا به ينبهر بذلك الجمال الخارق للطبيعة و تلك العينين الكحيلتين بلونهم الأسود و سياج رموشهم الكثيفة و ذلك الأنف المرتفع و تلك الشفاة التوتية الشكل واللون و هذا الوجه المستطيل الذي كان خمريا مطعما بحمرة طبيعية جذابة فإذا به يتسمر أمامها لثوان قبل أن يفيق على حديثها الحاد
_ ناديت مرة خلاص استنى. لازمن تسرع الناس
رحيم بتهكم
_ اتسرعتي عشان ناديت بصوت عالي اومال لو ضربت طلجتين كنت عملتي اي
ناظرته شذرا قبل لأن تقول بجفاء
_ نهايته. نعم . عايز ايه حضرتك
رحيم باختصار بينما عينيه تتعمقان في ملامحها بطريقة اجفلتها
_ عايز اصور الورج دا.
مد يده بالأوراق لتأخذها من بين يديه التي شددت عليها لترفع رأسها تناظره فوجدته يناظرها بتمعن جعل الغضب و الخوف يمتزجان بأوردتها لتهتف بارتباك
_ في اي
لا يعلم لما شعر بأنها لم تكن المرة الأولى التي يلتقي بتلك العينين ولكنه لم يفصح عن دواخله انما ترك الورق دون أي حديث لتشرع في بدأ التصوير الذي استغرق عشر دقائق حيث كان يبحر بذاكرته عله يتذكر أين رآها ولكن دون جدوى و كذلك هي كانت تشعر بأنها تعرف ذلك الصوت و ربما تلك الملامح ولكنها لا تتذكر أين رأتها لا تعرف لما هذا الشعور بالإنقباض داخل صدرها جل ما تريده أن ينصرف ذلك الرجل المخيف. 
توقفت أمامه تقوم بعد الأوراق حتى تحاسبه و في أثناء ذلك علقت أحد أكمامها في
ماكينة تدبيس الورق لينكشف ذراعها و فجأة تجمدت الدماء بعروقها حين قبض رحيم على كفها بعنف و عينيه يتطاير منها الشرر وووو
يتبع.

تم نسخ الرابط