الإثم الثالث عشر ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري
الحياة وهي دائما اليد الحنون التي تواسي نفسها المعذبة و لذا هي لا تحتاج لأحد و ستحقق أهدافها مهما كلفها الأمر
هكذا أقنعت نفسها وهي تتوجه بشموخ ورأس مرفوع إلى مكتبه لتقوم بطرق الباب والدلوف إلى الداخل متوجهه إلى طاولة الاجتماعات لتجلس على المقعد الملاصق لوائل بعد ان ألقت التحية و قد أغضبه هذا الأمر بشدة فقد كانت و كانها تخبره أن هناك حاجزا بينهم أو أنها لا تريد التعامل معه بطريقة مباشرة جميعها احتمالات عززت من غضبه الذي لم تنطفئ جذوته بعد ولكنه تدارك الموقف وشرع في مناقشة وائل في هذه الميزانية و وضع ملاحظات على نقاط القوة والضعف و قد كانت صامتة إلا حينما يشركها وائل في الحديث تجيب قدر ما يتطلب الأمر و غير ذلك تدون الملاحظات وقد انهمكت في عملها و تناست ذلك الذي كانت عينيه تحتويها بنظرات إعجاب لثباتها و جمالها و ذكائها و عنفوانها فهي دائما ما تقاوم على طريقتها و على الرغم من أنه قد شعر بالحزن لكونه صرخ عليها بهذا الشكل ولكنها محاولة قد تكون جيدة لرؤية جانب جديد من تلك النمرة الجميلة
شعرت بنظراته التي تخترقها ولكنها حاولت تجاهل الأمر كما تجاهلته منذ بدأ الأجتماع ليرن هاتفه فاستغل وائل انشغاله بالمكالمة ليقترب منها قائلا بخفوت
شكلك زعلان كمال بيه ضايقك ولا ايه
أجابته باختصار
لا عادي
وائل بإعجاب لم تخفيه عينيه
اومال العيون الحلوة دي فيها دموع ليه
رسمت ابتسامة رائعة على شفتيها بينما أسبلت جفنيها بخجل اتقنته كثيرا و ضمنته لهجتها حين قالت
انا مرهقة شويه متشغلش بالك
لم يخفى عليه ذلك الحديث السري الدائر بينهم المدجج بابتسامات رائعة و خجل يلون ملامحها و يتجلى في تصرفاتها لذا قام بإنهاء المكالمة سريعا وهو يحاول كظم نوبة غضب عاتية تهدد بالانفجار ولكن لهجته كانت حادة حين قال
بكرة تكون جهزت التعديلات كلها والنسخ النهائية تكون على مكتبي
لم يكلف نفسه عناء ذكر اسمه وقد كانت عينيه تقدحان الشرر بطريقة أجفلت وائل الذي قال باحترام
أن شاء الله الصبح هتلاقيها على مكتبك
كمال بجفاء
تقدر تمشي
لملم وائل أوراقه وكذلك هي لتتبعه وهو يتوجه إلى باب غرفة المكتب فأوقفها صوته الحاد حين قال
آسيا
توقفت بمكانها ليغلق وائل الباب خلفه دون أن يجرؤ على الالتفات للخلف فقامت بالعد للعشرة حتى تستطيع تحمل ذلك الرجل ثم استدارت لتطالعه بهدوء تحسد عليه لينهض من مقعده و يتوجه إليها بخطوات وئيدة وعينين تطالعها بطريقة غامضة واضعا يديه بجيوب بنطاله فما أن وقف قبالتها حتى قال بنبرة خشنة
هو انا مش من شويه قولتلك أن وظيفتك تنفيذ الأوامر !
آسيا باختصار
حصل
طب ايه اللي قومك من مكانك! انا قولتلك
اغتاظت من نبرته المتعالية و لكنها أجابته بهدوء
لما طلبت من مستر وائل يمشي فكرت أن الاجتماع خلص
خلص بالنسباله أنت مالك وماله
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالجمود حين قالت
مستر وائل هو الليدر بتاعي وانا بشتغل تحت قيادته و طبيعي انه لو مشي انا همشي
لم يفلح في قمع تلك الضحكة الساخرة التي انفلتت من بين شفاهه على حديثها المستفز ليقول بتهكم
أنت شكلك بتنسي بسرعة على فكرة
آسيا بنبرة لم تكن مريحة بالنسبة إليه
انا ذاكرتي قوية اوي على فكرة و مبنساش حاجة أبدا
طافت عينيه فوق ملامحها بإعجاب لم تخطيء في فهمه قبل أن يقول بصراحة لم تتوقعها
هو انا ليه كتير بحس انك بترمي على حاجات انا معرفهاش! في ايه عايزة توصليهولي
تعمدت استفزازه حين قالت بعفوية اتقنتها
لا سوري مفهمتش تقصد ايه
ضيق عينيه لثواني قبل أن يفجر بارود كلماته في وجهها حين قال
انا عايز اتعرف عليكي اكتر
تشقق قناع الجمود الذي ترتديه و بانت عليها الدهشة التي تخللت نبرتها حين قالت
يعني ايه دا
لم يكتفي من إدهاشها بل أفرج عما يدور بداخله بسلاسة لم تتوقعها حين قال بخشونة
أنت شخصية مستفزة بالنسبالي
آسيا بعدم فهم
نعم
حيرتها و اندهاشها كانا أمرا مثيرا بالنسبة إليه فهي تبدو شهية وهي تناظره بهذه الطريقة و ملامحها على سجيتها دون أقنعة لذا أجابها قائلا
بس لذيذة ميكس كدا مبيتكررش كتير و عاجبني عاجبني اوي
لم تكن تتأثر كثيرا بعبارات الغزل ولهذا حاولت تخطي ما تفوه به لذا قالت بجمود
اقدر امشي
مدهشة تملك ثبات و قوة لم يعهدها في إمرأة من قبل لذا تراجع إلى مكتبه وهو يقول بنبرة آمرة
من بكرة هتستلمي شغلك بدل سلمى كمديرة لمكتبي وهي هتعرفك تعملي ايه و النظام هنا ازاي
إلى هنا ولم يعد هناك مكان للهدوء فقد تخطى بأفعاله جميع الخطوط الحمراء مما جعلها تندفع إليه وهي تقول بغضب
لحظة بس هو اي اللي حضرتك قلته دا مين قالك اني جاية هنا عشان ابقى مديرة مكتبك
كمال بنبرة مغترة
انا عارف انك مكنتيش جاية هنا عشان تبقي مديرة مكتبي و دا لإن دا منصب مش أي حد يقدر يوصله بسهولة
آسيا بحنق و نبرة حادة لم تتخطى حدود المسموح به
اسمحلي افاجيء حضرتك بس المنصب دا مش من ضمن أحلامي و بصراحة مش عايزاه
كمال بنبرة لعوب
أحلامك كان أقصاها انك تبقي من تيم المحاسبة في الشركة بس انا بقى بعرض عليك أضعاف دا و بمرتب اعتقد انك عشان توصليله عايزة تشتغلي تقريبا عشر سنين
آسيا بتهكم
اعتقد أن المنصب دا اوريدي مشغول
لو بتتكلمي على سلمى فأنا رقيتها وهتمسك منصب أعلى اكيد مش هتمنعي عنها خير زي دا
بلغ التوتر منها مبلغه وشعرت بأن جميع خططها
ساعات العمل الرسمية انتهت ممكن اروح
يروق له توترها كثيرا ولكنه أراد استغلاله أسوأ إستغلال حين قال بنبرة آمرة
تقدري تروحي بس اعملي حسابك أن من بكرة هتيجي تستلمي مكان سلمى و على فكرة شغلها مالوش مواعيد
شعرت بأنها تمقته في تلك اللحظة فهو لم يكن شخصا سهلا أبدا كما ظنت لذا هتفت بتحدي لم تحسب لتوابعه حساب
لا هو انا أصلا بكرة لا هستلم شغلي هنا ولا هناك عشان أنا أصلا مش هاجي
كمال باندهاش
نعم يعني ايه وضحي
يعني أنا محتاجة اقعد مع نفسي واحدد إذا كان عرض حضرتك مناسب معايا ولا لا و أقرر هل دا هيتناسب مع طموحاتي ولا لا
لم تتوقع رد فعله حين أطلق ضحكة صاخبة أبرزت وسامته الفذة ولكنها لم تبالي لها فقد كان الغضب يطمس كل شعور لديها في تلك اللحظة وقد ضاعف منه حين توجه إليها وهو يقول
تقريبا أنت فكرتيني بطلب منك! لا انا بأمرك
آسيا بعنفوان اذهله
أوامر حضرتك تمشي عليا طول مانا موظفة في الشركة دي وبس وأنا دلوقتي لسه مقررتش إذا كنت هستمر فيها ولا لا
كمال بإعجاب من طريقتها
و عادي تضحي بمستقبلك في شركة بحجم شركتنا مع العلم انك هتمشي من غير اي ورق يثبت انك دخلتي المكان دا في يوم دا غير اني ممكن اضمن انك متشتغلي في مكان تاني عادي
فاجأته كعادتها حين قالت بثقة
مستر كمال هو لو ربنا كاتبلي اني اشتغل في شركة تانيه و يمكن احسن من شركتكوا انت هتقدر تمنع دا
إجابة واحدة لا يجرؤ على التفكير بغيرها لذا أجابها بجفاء
لا
ظهر التهكم على ملامحها متناقضا مع نبرة خافته يشوبها الدلال حين قالت
شفت بقى ان مفيش حاجه في ايدك أصلا عن اذنك
التفتت لتغادر و ما أن أغلقت الباب خلفها حتى أطلق كمال ضحكة صاخبة فمنذ وقت كبير لم يستمتع هكذا مما جعله يقول باستمتاع
كنتي فين من زمان يا آسيا
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
دلف إلى مكتبه المنزل متعبا فقد كان اليوم مليئا بالأحداث المرهقة و على رأسهم وجودها بجانبه وهو لا يجروء على النظر إليها ولكنه قرر و عليه أن يشرع في تنفيذ قراره فبعد حديث يزيد معه والذي عراه أمام نفسه وجعل كبرياءه يعلن ثورة عاتيه امامه وقلبه ليأخذ قرارا لا رجعة فيه بنسيانها أو على الأقل التظاهر بذلك
رفع إحدى حاجبيه حين رأى هيام التي تجلس و على وجهها إمارات الغضب فمن الواضح أنها قررت المواجهة الآن فهي منذ مدة تتجنبه ولا تتحدث معه سوى نادرا وهذه هي طريقتها في الغضب تلتزم الصمت والتجاهل لفترة ثم تقرر المواجهة والتي أتت في أكثر الأوقات خطأ فهو لا قدرة له على الحديث يريد الهروب للنوم
السلام عليكم يا أم حماده
هيام بتبرم
وعليكم السلام اتعشيت!
لا ماليش نفس
هيام بتهكم غاضب
نفسك مسدودة ولا شبعان أصل بيقولوا الحب بيشبع
عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول بجفاء
الحب للي بيحبوا يا هيام احنا مالنا
هيام بتقريع مبطن
و احنا منجبش ليه يا قلب أختك! مندورش على حد يستحق يتحب و نحبه ليه ولا هو الحب لازمن يكون جارر وراه وجع قلب و بهدله
خطت إلى منطقة شائكة داخل صدره يحاول تجاهلها بشتى الطرق لذا هتف بنفاذ صبر
هيام مليش في الجو دا اللي عندك قوليه من غير تلقيح الله يباركلك
انتفضت جالسه في مكانها وهي تقول بغضب
انت عاجبك حالك كدا
ماله حالي
هيام بسخط
يغم هتفضل مترهبن لحد امتى هفرح بيك امتى يا ياسر
ياسر باختصار
لما ربنا يأذن
هيام بتوضيح
قصدك لما تحكم عقلك و تبص لمصلحتك بدل ما انت معلق نفسك بحبال الماضي الدايبة
بلغ الغضب منه ذروته فشقيقته الوحيدة المسموح لها بالتمادي معه والحديث في ذلك الأمر الشائك وهو لا يجرؤ على نهرها أو تعنيفها لذا هتف بتحذير
هيام اعمليلك قفلة و مالوش لازمة الكلام دا انا من غير حاجه جاي تعبان و مصدع
هيام بحنق
ماهو دا حالك من يوم ما الغندورة شرفت البلد تاني لا بتاكل ولا بتشرب و لا طايق نفسك فعادي انك تبقى تعبان ومصدع بس لأمتى بقى
ياسر بنفاذ صبر
أنت عايزة ايه دلوقتي
عايزة افرح بيك
هكذا تحدثت بصراحة قابلها بالمراوغة حين قال
أن شاء الله
هتفت بإصرار
أن شاء الله امتى
ياسر بتعب
محدش بيعرف الغيب يا هيام
هيام بانفعال
ياسر يا وتيدي حط عينك
في عيني ورد عليا انت لسه بتفكر في البت دي
ماهذا القهر الذي تمارسه عليه الحياة بكل فحش دون اعتبار لكونه بشر يشعر و يتألم و قد ينهيه هذا الألم في يوم !
كان صمته كالوقود الذي صب على نيران غضبها فهتفت بانفعال
بعد كل اللي عملته فيك هي و أهلها ولسه بتحبها وبتفكر فيهادا انت متهانتش في حياتك غير على إيديهم
بشق الأنفس تجاهل حديثها ليزفر بقوة قبل أن يلتفت ناظرا إليها بملامح جاحظة و أعين يتبلور بهم الغضب فعلمت أنها وصلت لنقطة فاصلة معه وخاصة حين هتف بحدة
متسأليش أسئلة ملهاش إجابات عندي و بطلي تقولي كلام أنت عارفه أن اللي وراه مش خير و متلعبيش على غلاوتك عندي عشان أنت عارفة أن زعلي وحش
شعرت بأنها أصابته في الصميم فاقتربت منه تحتضن رأسه بين ذراعيها وهي تقول بأسى
غصب عني يا ياسر انت ضنايا ابني البكري و مش هتحمل اشوفك بتضيع قدام عنيا حرام والله حرام
عبراتها بللت صدره فربت على ظهرها وهو يقول بجفاء
انا كويس يا هيام
وايه اللي يثبتلي دا
ياسر بنفاذ
انت عايزة ايه يثبتلك
انتفضت في جلستها لتقف أمامه بأعين يتبلور بهم التصميم الذي تخلل نبرتها حين قالت
تتجوز روضة!
يتبع