ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري الاثم الخامس
أمامه ذاته و علم بأن ظنه هذا ماهو إلا مزحة سخيفة فهو يمنع نفسه بصعوبة من الترجل من سيارته و معانقتها حتى تئن عظامها طالبة للرحمة وهنا يأتي دور الكبرياء الذي كان بمثابة المنقذ له فقد استيقظ من غفوة الشوق التي جرفته و جعله يستنكر ما يحدث ليقوم بالضغط بقوة على زامور السيارة مما جعل جسدها يرتجف و تراجعت للخلف لتمر السيارة بجانبها دون أن يعيرها أي اهتمام فتهدلت أكتافها و تناثرت دماء عينيها و أخذت دقاتها تصرخ احتجاجا على كل ما يحدث لتشعر بأن أقدامها تتحول الى هلام قد يخونها في أي لحظة ولكن فجأة أحاطت بها ذراعين حنونتين تعرفهم جيدا فارتمت بكامل ثقلها بين أحضان أسيا التي هتفت بلهفة
_ غنى!
_ اسنديني علشان ادخل جوا. مش عايزة اقع قدام حد.
هكذا همست بخفوت فهتفت أسيا بلهفة
_ بعد الشر عنك يا حبيبتي. تعالي معايا.
تأبطت ذراع أسيا و توجهت معها للداخل و لكن قبل ان تدلف من باب البيت لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء نظرة إلى الخلف فلم تجد أحد لتصاب بخيبة أمل استنكرها عقلها فهل تنتظر من قاتلها أن يلقي عليها نظرة وداع والحقيقة أنه هو الآخر لم يستطع منع نفسه من اختلاس نظرة أخيرة عليها ليتفاجيء حين التفت إلى الخلف فقد كان الظلام يعم المكان فلم تلحظ ذلك الظل الذي ترك سيارته في شارع جانبي و توقف يراقبها من بعيد مستسلما لألمه وشوقه و غضبه بسبب كليهما.
_ عاملة ايه يا غنى أنت هنا من امتى
هكذا تحدثت أسيا فأجابتها غنى بخفوت
_ جيت النهاردة الصبح.
أسيا باستفهام
_ وانا معرفش طب ليه مقولتليش انك جاية مانا مكلماكي امبارح مقولتيش حاجة.
غنى بأسى
_ مانا مكنتش اعرف ان انا جاية.
_ مالك يا غنى حصل ايه
لم تستطع منع عبراتها من الأنهمار بيأس فوق وجنتيها لتتعالى شهقات بكائها مما جعل أسيا تحتضنها بقوة وهي تقول بلهفة
_ مالك يا حبيبتي فيك اية
_ تعبانه اوي يا أسيا.
أسيا بخفوت
_ كل دا عشان شوفتيه يا غنى
تماوجت نظراتها بين القبول و الرفض لتحاول تغيير الموضوع قائلة
_ أنت عرفتي منين أن انا برة ولا ماما قالتلكوا اني جاية
_ لا. انا كنت تحت عند ضي و خالتو
قاطعتها غنى تحاول عدم التطرق إلى ذكر اسمه
_ ما علينا. قوليلي أنت عاملة ايه
_ كويسة. بس أحنا مش بنتكلم عني. انا عايزة اعرف مالك و هربتي من القفص ازاي
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها على تلك الكلمة التي دائما ترددها أسيا على مسامعها بأن بيتها ماهو الا قفص تحتجز به.
أطلقت زفرة متعبة قبل أن تقول بأسى
_ مش مهم هربت ازاي المهم اني قدرت اهرب و مش ناوية ارجع هناك تاني.
أسيا بلهفة
_ بتتكلمي بجد يا غنى نويتي تطلقي ولا اي
غنى بتصميم
_ نويت.
تبدلت نظراتها و كذلك لهجتها قبل أن تتابع قائلة
_ أسيا كنت عايزة منك خدمة ضروري.
تحدثت أسيا بلهفة
_ اؤمر يا صديقي
اللهم يا سميع يا بصير يا من هو على كل شيء قدير يا من كان نعم المجيب لنوح لما دعاه يا ذا الجلال اللهم حقق امنياتى وبارك اللهم فيها يا مسبب الأسباب يا مفتح الأبواب يا مجيب الدعوات يا قابل الحاجات يا سامع الأصوات
كان الصباح مغبرا يشبه ملامحه و صوته الذي كان كريها على أذنيها حين استمعت إليه
_ ايه يا ست هانم الولد ماله وايه اللي خلاه تعب بالشكل دا
هكذا تحدث صارخا فأجابته بجفاء
_ معرفش ايه اللي خلاه تعب يمكن برد ولا حاجه
أمين بتهكهم
_ متعرفيش! طبعا وأنت عندك وقت تشوفي فيه ولادك مالهم أنت مش فاضية غير في التمثليات الفاشلة.
أشجان بصدمة
_ تمثيليات أيه انا مش فاهمة
أمين باحتقار
_ اقصد الفليم الهابط اللي عملتيه النهاردة الصبح و امك اللي جت منعرفش جاية ليه ولا عرفت منين و لقيناها طابة علينا كل دي أفلام من تأليفكوا و فاكرين ان الناس مش فهماها!
أشجان باندهاش
_ ايه الكلام اللي أنت بتقوله دا
أمين بنفاذ صبر
_ أنت بني أدمة غبية و فهمك على قدك. قرفتيني.
هتفت بألم
_ انا عملت فيك ايه
جاءت فرصته ليفتت بقايا ثقتها بنفسها و بقدراتها
_ أنت مبتعمليش حاجه صح اصلا تتحسبلك. حتى ولاك يا هانم مش عارفة تهتمي بيهم أنت تنفعي أم أنت
انتفض جسدها من فرط الغضب و حاولت الدفاع عن نفسها أمام تلك التهمة
_ انا عمري ما قصرت في ولادي أبدا.
تجبر على ضعفها و هتف بقسوة قاصدا كل حرف يتفوه به
_ ولادك دول خسارة فيك. انا هنزل الولاد يقعدوا مع ستهم تحت تهتم بيهم و تخلي بالها منهم.
انتفض قلبها ذعرا و هتفت بلوعة
_ انت بتقول ايه ولادي لا يمكن يبعدوا عني خطوة واحدة.
أمين باحتقار
_ اومال عيزاني أسيبهملك عشان تضيعيهملي بإهمالك و قلة مسئوليتك.
تعرف أن توسلها أكثر ما يشتهيه و لأجل أولادها قد تفعل المستحيل لذا اقتربت تمسك بيده وهي تقول بتوسل
_ عشان خاطري يا أمين وحياة اغلى حاجه عندك. سيب ولادي في حضني وانا اوعدك اني هكونلهم خدامة ومش هقصر فيهم أبدا.
رغبة جشعة تملكته نحوها في تلك اللحظة ولكن غروره المريض يأبى أن يعبر عنها لذا تابع الدعس بقدمه فوق جرحها حين قال
_ أنت مفيش حاجه مش مقصرة فيها.
تجاهلت عذابها وحرقة قلبها وقالت بتوسل
_ قولي ايه اللي أنا مقصرة فيه وأنا هعمل كل اللي انت عايزه.
يجاهد حتى لا يضعف أمامها فهو يريدها بكل جوارحه ولكنه أيضا يريدها خاضعة له تتذلل لكي ترضيه فهو أكبر من أن يسألها عن ما يريد هكذا يصور له غروره المريض
_ للأسف أنت عمرك ما تعرفي تعملي اللي انا عايزه.
لا تعلم كم عدد المرات التي شاهدت قلبها يتناثر إلى أشلاء امام عينيها كم عدد المرات التي جردها هذا الرجل من كرامتها و لكنها كعادتها مجبرة لذا هتفت بصوت كان نشيجا
_ طب اديني فرصة أحاول. يمكن اعرف ارضيك.
وصل إلى النقطة التي يبتغيها لذا تصنع التفكير و قال بتبرم
_ هنشوف.
أنهى جملته و انقض عليها يحاول انتزاع كل ما لا يستحقه. يروي غليل شوقه ورغبته منها دون النظر إلى كونها راغبة أو لا.
أخيرا انتهى عذابها لينهض عنها دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى تلك الشاة المذبوح قلبها و المطعونة كرامتها و المسلوبة حقها في كل ماهو جيد من تلك الحياة.
نقطة واحدة كانت تفصل بينها وبين الجنون لو لم يلهمها قلبها باللجوء إلى من لا يغفل ولا ينام لتنهض متوجهة إلى المرحاض تقف أسفل المياة التي اختلطت بدموعها تود أن تذيل قذارة ما علق بها من رائحة رجل تمقت ذرات
أخيرا انتهت لترتدي ملابسها و تتوجه إلى الخارج لتلتقط ثوب الصلاة و تشرع في تأديتها فهي الدواء لقلب تفشت به جميع العلل و نفض الأطباء أيديهم عنه.
كان فؤادها يحترق بكمد غير قادرة على تحمله لتخرج الكلمات من أعماق قلبها
_ اللهم ان احد عبادك اظهر قوته علي فأرني عجائب قدرتك فيه انك حسبي و وكيلي يا ارحم الراحمين
أنهت صلاتها و توجهت إلى غرفة ابنائها تحتضن كليهما وهي تتوسل إلى الله أن لا يبعدها عنهم أبدا و أن يأتي ذلك الطوفان الذي سيطيح بهذا الطاغية الذي سمعت صوته المقيت وهو يقول في الهاتف
_ استنيني النهاردة انا جايلك .
اللهم إني أسألك فرجا قريبا وصبرا جميلا ورزقا واسعا والعافية من البلايا وشكر العافية والشكر عليها وأسألك الغنى من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد اللهم إني أسألك بحق السائلين وبأسمائك العظمى والحسنى أن تكفني شر ماأخاف وأحذر فإنك تكفي ذلك الأمر.
في اليوم الثاني تجمعت العائلة حول الطاولة ماعداه فكانت هيام في حالة من القلق جعلت أنفاسها مسموعة مما جعل الجميع يلاحظ ليتدخل يزيد قائلا بجمود
_ هو تقريبا النهار مجاش عندك ولا ايه قافلة وشك ليه عالصبح
هيام بحنق
_ ياريت تفطر وانت ساكت.
يزيد بسخرية
_ بقولك ايه ما أنت لو لقياني قدام باب جامع عرفيني. انا كدا كدا ناوي اتبرى منكوا فمش حوار يعني.
هيام بسخط
_ للأسف لا. امك الله يرحمها عقلها خف على كبر و قررت تبليني بيك.
صحح يزيد حديثها قائلا
_ قصدك تهاديكي بيا و دا لأن انا نابغة.
هيام بحنق
_ طب قولي يا سي نابغة متكلمتش بردو مع اخوك
هنا تدخل جابر قائلا بملل
_ ريحي نفسك يا هيام. الموضوع اتفض خلاص.
هيام بلهفة
_ تقصد ايه
جابر بنفاذ صبر
_ يعني ابوها قابلني في صلاة الفجر وقالي أن الموضوع اتحل بينهم و انها خلاص راجعة لجوزها.
في هذه الأثناء كان يهبط الدرج لتخترق تلك الجملة صدره ولكن القدر لم يكتفي منه بعد فقد تفاجيء بأحد الخدم يدلف إلى داخل المنزل وهو يقول
_ يا
تقدم جابر و خلف هيام ليتسمر الجميع في مكانه حين شاهدوا.
يتبع..