ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري من ١ إلى ٤
حصري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثم الأول بعنوان ليلة بكى فيها القمر
الحياة ماهي إلا مجموعة من الخيارات التي من شأنها أن تغرقنا في سفح الهاوية أو تنجينا من أهوال يشيب لها الوجدان ولكن ماذا لو كانت جميع الخيارات تصب في غوط جهنم فيجد الإنسان نفسه حائرا بين ألم لا يبرح و ڠضب لا يهدأ. هذا الصراع المضني يقود العقل إلى منعطف خطړ تحمل جدرانه طلاسم المعاناة و نقوش الۏجع الذي يتفاقم بكل خطوة نخطوها في ذلك الطريق الذي و بكل أسف كان بمحض إرادتنا.
نورهان العشري
_ ادخلي يا عروسة برجلك اليمين.
هكذا تحدثت عنايات وهي تنظر إلى تلك العروس التي كانت ترتعب كورقة في مهب الريح تناظرها بأعين يفترش الحزن مآقيها ولكن يأبى خۏفها ذرفه فحدجتها المرأة بنظرات دسيسة قبل أن تلتفت إلى النساء من خلفها لتقول بنبرة حادة
_ ما تزغرطي ياختي أنت وهي مش فرحانين لابن سلفكوا الكبير ولا ايه
أجابتها أحد النسوة بلهفة
_ عنينا ياختي هنزغرط هو انا احنا عندنا اغلى منه!
انطلقت الزغاريد من بين أفواه النساء المكرهة لتلتفت عنايات إلى هذا الجمع الذي يقف أمام عتبة منزلها الكبير و هتفت بسماجة
_ لحد هنا و خلاص يا غوالي. وصلتوا الأمانة كتر خيركوا. دوركوا انتهى لحد كدا. يالا بقى عشان تلحقوا العشاء وهو سخن.
همهمات معترضة و أخرى مستنكرة خرجت من أفواه النساء لتهتف صابرين بنبرة معاتبة
_ خبر ايه يا حاجة أم رأفت ايه الكلام اللي بتقوليه دا مش اطلع اطمن على بنتي
شهقت عنايات بطريقة سوقيه قبل أن تحاوط كتف غنى التي كانت مړتعبة من أن يتركها أهلها وحيدة بين هؤلاء الناس المريبين لتهز برأسها يمينا و يسارا بينما عينيها تتوسلان لوالدتها بألا تتركها معهم لتهتف عنايات باستنكار
_ بنتك! بنتك ايه يا دلعدي. دي بقت بنتنا خلاص. كدا ولا ايه يا نسوان
كانت تشير إلى النساء اللائي يحيطن بها لتجيبها خادمتها قائلة بتأكيد
_ طبعا يا ست عنايات . اومال ايه.
لتقول عنايات بسماحة و صوت مرتفع
_ طب يالا قولوا ورايا. خدناها . خدناها.
أخذت النساء تردد خلفها كلماتها التي كانت كالصړاخ على مسامع غنى فقد تعاظم الألم داخلها يوازيه الخۏف بصدرها وهي ترى والدتها تتخاذل أمام كلمات عنايات التي كانت تصفق و هي تشدو و تطلق الزغاريد التي وصلت إلى أذنها كالعويل لتقوم بإدارتها و التوجه بها إلى ذلك المكان الذي من المفترض أنه بيت الزوجية و شقتها مع ذلك الرجل الذي اختارته زوجا لها ولكن مهلا.. لم تكن هذه شقة أحلامها ولا هذا المكان هو الذي تريد البقاء به الباقي من عمرها و حين وقعت نظراتها على تلك الصورة المعلقة لذلك الشاب الذي من المفترض أنه أصبح زوجها شعرت بغصة قوية داخل صدرها فعلى الرغم من وسامته فلم يكن هو رجل أحلامها. بدأت غيمه الڠضب في التلاشي من أمام عقلها لتشعر بغربة قوية داخل هذا المكان فانتابتها رغبة قويه في الهرب لتشرع في تنفيذها و الإلتفات إلى الخلف ولكنها لم تحسب حساب أن الغزال حين يسقط بين براثن الذئاب يكون النجاة أمرا مستحيلا.
_ راحة فين يا ست البنات مش تيجي افرجك على شقتك دي البنات كلها في الكفر بتحسدك عليها و على عريسك زينه الشباب. تحطيه في عيونك.
كانت كلماتها تبعث النفور فيها . تشبه نظراتها التي تخفي شيئا آخر خلف قناع اللطافة التي تحاول إقناعها به ولكن كعادتها لا تعطي لأحد فرصته
في التفكير أو الحديث فقد جذبتها بقوة من كتفها و قامت بإدارتها لتدخلها أحد الغرف التي كانت كما يسموها في مجتمعهم غرفة الأطفال فلم يكن أساسها سيء ولكنه يفتقد إلى الذوق و يتميز بكثرة النقوش و الزخرفة التي جعلت عينيها تنفر من المكان و داخلها يستنكر أن ينشأ أطفالها في هذا المكان ثم تابعت جوله استكشاف الشقة برفقتها وبداخلها يتعاظم الاحساس بالنفور وربما الندم الذي قمعه العقل الأرعن الذي تحكم به شيطان الاڼتقام ليؤكد لها بأنها على الطريق الصحيح و أن ما فعلته كان الخيار الصائب
_ و دي بقى اوضة النوم. يعني الدلع كله. بصي ستايرها حمرا و سجاجيدها حمرا و يارب يجعل كل لياليكوا حمرا كدا.
أنهت عنايات حديثها وهي تطلق ضحكة رقيعة جعلت جسد غنى ينتفض هلعا فلم يعجبها مظهرها لتسقط جميع الأقنعه في تلك اللحظة و تقترب منها بعينين حادتين و ملامحه جامدة و بنبرة جافة متوعدة حادثتها
_ لا بقى. ماهو مينفعش كل ما أكلمك كلمة تتخضي كدا. لازم تردي عليا و تقولي حاضر يا ماما. هو انا مش ماما ولا ايه
نبش الذعر حوافره في صدرها و أحدثت دقاته صخب قوي داخلها جعل الكلمات تخرج مندفعة مرتبكة تصاحبها حشرجة البكاء المكتوم داخل حلقها
_ أيوا. ما. ماما.
فهمت عنايات أنها في طريقها الصحيح لذا خففت من لهجتها حين قالت
_ طب اقعدي يا غنى اقعدي يا حبيبتي مالك خاېفة كدا ليه انت بقيتي وسط اهلك وناسك.
لن يقوى الحديث على رفض أمرها لذا قالت غنى بخفوت
_ حاضر.
عنايات بسماجة
_ هطلع انا أشوف اسم النبي حارسه رأفت و أنت لفي لفة في الأوضة كدا و غيري على ما اجبلكوا الأكل.
خرجت عنايات تاركه خلفها قلب ېحترق خوفا كقط بلا أنياب سقط في عرين الأسود. أخيرا استجابت قدماها و طاوعتها لتجلس فوق أقرب مقعد تاركه العنان لبضع قطرات من الألم لتتدحرج فوق وجنتيها التي لطختها تلك الزينة التي كرهتها كما کرهت كل شيء يدور حولها فأطلقت العنان لآهات مكتومة أن تعبر من بين شفتيها ليتردد صداها بقلبها الذي كان جريحا غاضبا يناطحه عقلا أهوج لا يرتضي بغير الإنتقام بديلا لذا محت عبراتها بأناملها المرتعشة وهي تذكر نفسها بأنها على صواب فهذا هو الخيار الوحيد الآن بعد ما أصبحت في بيت رجل آخر لا يشبه صاحب العيون العسلية الذي يحيا القلب على أنغام دقاته.
_ ايه يا قلب امك مالك في ايه
هكذا تحدثت عنايات باستفهام وهي تناظر رأفت الذي كان يزدرد ريقه بصعوبه يحاول ابتلاع تلك الغصة المريرة التي تكمن في تلك الندبة السوداء داخل صدره. لتقترب منه والدته فإذا به يقول بارتباك
_ م . مفيش . متوتر شويه.
_ لا تتوتر ايه ولا أي توتر. انت تهدي خالص كدا. هو انت في زيك. انت بس خد الدوا اللي الدكتور كتبهولك و هتبقى زي الفل و بعدين ياواد دي أمك منقيالك بت تحل من على حبل المشنقة هتجري ريقك على طول.
أطلق العنان لمخاوفه في الظهور على السطح ليهتف پغضب
_ ماهو دا اللي مخوفني.
حاولت أن تبثه الثقه التي لن يسمع لصوتها صدى داخله لذا قالت بحدة
_ قولتلك اجمد يا واد . خاېف من ايه لا هو انا مۏت ولا مۏت! يالا روق كدا و فرفش و اطلع لعروستك و كل حاجه هتبقى تمام. الدكتور مأكدلي الكلام دا.
لم تكن قد استطاعت أن تتجاوز خۏفها بالرغم
يفتح و يدخل ذلك الرجل الوسيم المتوسط الطول الذي من المفترض أنه زوجها.
كانت نظراته تائهة غامضة فانعكس خۏفها على إدراكها لتبدو لها عينيه مخيفة ولكنها أقسمت على أن تكون إمرأة وفيه حتى ولو استنفذت حياتها وهي تحاول.
أخذ يقترب منها بخط بطيئة و نظرات ضائعه وهو يتشارك معها خۏفها ولكن على طريقته ليحاول استرجاع كلمات والدته فثارت الډماء في عروقه وهو ينظر إليها بطريقة حولت خۏفها إلى ذعر و خاصة حين انقض عليها بطريقة ۏحشية كانت نتائجها كارثية.
_ ما تقعدي بقى خيلتيني.
هكذا هتف عبد الحفيظ الضباغ إلى زوجته عنايات التي كانت تزرع المكان ذهابا و إيابا بعد أن خلعت عنها رداء القوة فهي أكثر من يعلم باستحالة معجزتها التي تبتغيها و أيضا تخشى حدوث کاړثة قد تعيدهم إلى نقطة الصفر من جديد
_ انا اللي خيلتك ولا انت اللي قاعد وحاطط في بطنك بطيخه صيفي ولا كإن اللي فوق دا ابنك.
عبد الحفيظ بحنق
_ قولي للأسف ابني.
جن چنونها فهتفت صاړخة
_ عبد الحفيظ اتقي شړي و بكرة اللي انت مستعر منه دا تتباهى بيه قدام الخلق كلها.
كان يأمل أن تحدث المعجزة و يتحقق حديثها ولكن صړاخ قوي أتى من الأعلى ليخترق مسامعهم مما جعل جسد الثنائي ينتفض هلعا فهرولت عنايات إلى الأعلى بينما هتف عبد الحفيظ پخوف
_ جيب العواقب سليمة يارب.
كانت و كأنها تهرول فوق جمرا مشتعل حتى انقطعت أنفاسها وهي تدلف إلى داخل الشقة و منها إلى غرفة النوم التي اقټحمت خصوصيتها بمنتهى التبجح لتبرق عينيها و تكتم الأنفاس بصدرها من هول ما رأته
فوضى عارمة في أرجاء الغرفة ثياب مبعثرة الطعام متناثر بكل مكان و أخيرا جسد ممزق و ملقى على الأرض كخرقة بالية لم يعد لها قيمة بينما هناك روح تنتفض كان آخر اتصال لها في هذه الحياة تلك الزغرودة التي انطلقت من فم عنايات لتنغلق جفونها بصمت.
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت
أن ټقتل پسكين الغدر أمرا رغم فظاعته لكنه وارد الحدوث ولكن أن يكن قاتلك هو ذلك الشخص الذي بيدك وضعته عزيزا بين حنايا الروح لهو أمرا مريع. لا يتحمله قلب ولا يصدقه عقل. تعجز جميع الحواس عن تقبله و النجاة منه مستحيلة. كأن يلقي بك أحدهم وسط بركان هائج ويقول لك لا تحترق!
نورهان العشري
_ بجولك ايه يا مطاوع. لم دورك و خف مع البت الرجاصه دي. احنا ملناش في اللوع ياواد عمي.
هكذا قال رحيم بتقريع وهو يقود السيارة موجها حديثه إلى ابن عمه مطاوع الذي كان يجلس بجانبه يتأفف من حديثه قائلا
_ بجولك ايه يا رحيم. سيبني في حالي الله يرضى عليك. اني راچل بحب اللوع كد عنيا و خصوصي اذا كان بعنين خضرا و شعر اصفر. دا اني ابجى حمار لو جولتله لاه.
كانوا قد أصبحوا على أعتاب بلدتهم في أحد محافظات الصعيد ليقول رحيم بنفاذ صبر
_ ما انت حمار فعلا. دي حرمه معندهاش ډم. دايرة تدور على الرچاله المخبلة اللي شبهك ترمي بلاها عليهم.
مطاوع بحنق
_ يا سيدي اني موافج هو في أحلى من أكده بلا و بعدين اني معرفش انت كارهها أكده ليه
رحيم باتزان
_ لا كارهها ولا حاببها. بس اني راچل دوغري و دي حديتها ملخبط و بتعمل عكس اللي بتجوله و حتى لو زي ما جالتلك أنها تابت من الجرف بتاعها و رايده الحلال.
ليه بتروح المدعوج ده تسهر فيه كل ليلة
مطاوع بملل محاولا تغيير دفه الحديث
_مبجتش تروح يا رحيم و بعدين بجولك ايه بزياداك تبكيت فيا مش كفايه خلتني سبتها و چيت وراك نروح في نصاص الليالي أكده و كل ده عشان مش جادر تتأخر على الست حنان بتاعتك.
رقت نبرة رحيم و غامت عينيه شوقا حين قال
_ اني خلصت اللي اندليت مصر عشانه يبجى أغيب عن مرتي اللي بحبها ليه
مطاوع بتهكم
_ ايوا ياخوي. انت تحب و أني اتچرچر من جفايا وراك..
صمت مطاوع حين التقمت عينيه امرأة متلحفة بالسواد تهرول من بعيد بين الشجر من جانبه فقال بلهفة
_ وجف يا رحيم على چنب.
رحيم باستفهام
_ أوجف ليه دي حتة مجطوعه!
مطاوع بإصرار
_ وجف بجولك . مش چبت سيرة البلا اهو باينه حضر ولا اي
أوقف رحيم السيارة على جانب الطريق وهو يستفهم پغضب
_ في ايه يا هباب أنت
_ عيني لمحت مرا بتچري وسط الشچر وهي عم تتلفت يمين و شمال كيف الحرامية. الله واعلم راحه تعمل ايه دي!
بدأ القلق يساور رحيم الذي قال باستفهام
_ أنت متوكد من حديتك دا دي حتة مجطوعه ايه اللي هيچيب واحدة ست أهنه دلوق
مطاوع بإلحاح
_ متوكد. اومال جولتلك وجف ليه
جذب مطاوع سلاحھ من درج السيارة و توجه إلى الخارج و كذلك فعل رحيم الذي قال بوعيد
_ لا أكده يبجى لازمن نشوف في ايه
أخذ الرجلان يتحركان في الاتجاه الذي أشار إليه مطاوع ليلوح من بعيد كوخ صغير. توجه الرجلان إليه إلى أن توقفا عنده ليقول رحيم بتحير
_ افرض كان فيه راچل و مرته ولا حاچه نطب عليهم زي الجضى المستعچل اكده
مطاوع بحنق
_ وهو في ست بردك هتاچي لچوزها في نصاص الليالي تتلفت كيف الحراميه أكده
بدأ حديثه منطقيا ليزفر رحيم پغضب قبل أن يخترق سمعه صوت ضحكه مجلجلة جعلت كل حواسه تتنبه ليلتفت ناظرا إلى الكوخ بريبة و قلب يدق پجنون لا يعلم سببه ولكن هناك طنين خطړ يدق بأذنيه و بأقدام تسير دون وعي توجه إلى باب الكوخ و خلفه مطاوع الذي لا يعلم لما شعر بأن هناك شيء سيء على وشك الحدوث لتنزل الصاعقه فوق رؤوسهم حين قام رحيم بضړب الباب بقدمه ليتفاجيء بزوجته بين أحضان رجل آخر!
_ في ايه يا بنتي ما تبطلي فرك شويه.
هكذا تحدث رؤوف إلى آسيا التي كانت تهز بقدمها بعصبيه و تزفر النيران من أنفها فهتفت بضيق
_ بقولك ايه مش طلباك. انا من غير حاجه هطق أصلا ولولا أني خاېفة ماما تيجي لوحدها دلوقتي مكنتش جيت المكان دا.
_ ايوا ليه هطقي حد يبقى متضايق وهو قمر كدا!
كان يشير إلى ملامحها الجميلة و خاصة وهي بهذا الفستان الخاطف للأنفاس فكانت عينيه تغازلها بطريقة أضرمت نيران الخجل في صدرها لتحاول نفض ما يعتريها من مشاعر قبل أن تقول بتوتر
_ انا متضايقة من الناس اللي معندهمش ډم دول . يعني مش كفايه مرضيوش يخلوا أمي تحضر فرح بنت اختها عشان تخدم في الحفلة بتاعتهم و كمان مأخرينها لدلوقتي
رؤوف بتعاطف
_ معلش يا آسيا دا بردو شغلها و متنسيش أن النهاردة حفله مهمه جدا بالنسبة لهم و يوم مهم عندهم.
آسيا بحنق
_ أنت هتقولي. الست مريهان مبطلتش تقول و تعيد عن أبيه كمال اللي مفيش منه واللي هيمسك المدير التنفيذي للمجموعة بتاعتهم. بت باردة أن كانت هي ولا الزفته اللي اسمها هايدي دي و لا كمال اللي مدلعهم و مخليهم
يدوسوا على الناس.
رؤوف بتعقل
_ بس كمال دا اسمع أنه مش وحش.
اغتاظت من تذكيره لها بفضل ذلك الرجل و تلك العائلة عليها لذا هتفت پغضب
_ تقصد ايه
رؤوف بتفهم لڠضبها
_ اقصد بلاش تحكمي عليه أنه سيء لمجرد أنه بيدلع أخته و بنت أخته. جايز ميعرفش طريقتهم.
هربت من ذلك الحديث فقد كانت مستمتعه بحنقها عليهم فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تهدأ من ألمها قليلا لذا هتفت بملل
_ بقولك ايه كفايه كلام فارغ انا هدخل اشوف ماما اتأخرت ليه
ترجلت من سيارة رؤوف ابن عمها و توجهت إلى بوابة الحديقه الخلفية لذلك القصر المقيت و استأذنت الحرس لتدلف إلى والدتها فقد كانوا يعرفونها منذ أن كانت طفله تأتي أحيانا مع والدتها التي أخذت تبحث عنها في كل مكان ولكن لم تجدها ليأخذها فضولها كي تقف خلف تلك الأشجار الكثيفة تشاهد تلك الحفلات التي لطالما سمعت عنها من زملائها في الجامعة التي كانت إحدى منح تلك العائلة لها .مكافأة لوالدتها على خدمتهم طوال تلك السنوات فقد كانت تمقتهم بقدر ما تشتهي أن تكون بينهم ترى كل ذلك البذخ و تحيا به لتختبر شعورهم بكل تلك الملذات و الامتيازات التي لم تظفر سوى بالفتات منها.
_ تعالي يا دودي شوفي مين هنا
هكذا تحدثت بسخرية تلك الفتاة ميريهان إلى الفتاة الأخرى هايدي التي قالت باحتقار يمتزج بالمزاح
_ ايه دا بنت الخدامة واقفه تتفرج على أسيادها
تجمد جسدها في مكانه من فرط الڠضب و الإهانة التي لا تنفك الفتاتين عن إغراقها بها فهي كانت لوحة حية عن الجمال و الذكاء الذي جعلها تتفوق عليهم في الدراسة مما جعل شيطان الحقد يستوطن قلوبهم تجاهها
_ لا يا حلوة منك ليها بنت الخدامة مابتحبش الأفلام الهابطة اللي لايقه عليكوا دي.
كان مظهرها رائعا رغم بساطته في ذلك الفستان الأسود الذي يلتف فوق جسدها بنعومة و شعرها المتموج خلف ظهرها يحيط بها كستار من الحرير و وجهها الذي زينته دون ابتذال فبدت جميلة بل فاتنة على النقيض من زينتهم المبالغ بها و فساتينهم الڤاضحة مما جعل شيطاينهم تستيقظ من غفوتها لتهتف ميريهان بتوبيخ
_ لايقه على مين يا جربوعة أنت أنت صدقتي نفسك يابت
تدخلت هايدي بوعيد
_ شكلها نسيت نفسها فعلا يا ميري و عايزة حد يفوقها.
تلاقت الفتيات في ذلك التفكير الشيطاني ليتبادلوا الأنظار بمكر لم تلحظه آسيا التي هتفت باحتقار
_ انا مش فاضيه لسخافتكوا دي. انا وقتي غالي معلش اصل الأولى على الكلية بقى مش زي ناس بيطلعوا بملاحق كل سنة.
تعاظم الحنق بداخلهم لتهتف هايدي بغل
_ مش قولتلك يا ميري عايزة اللي يفوقها!
كانت لهجتهم مريعه انتفض لها جسد آسيا و خاصة حين وجدت الفتاتين يتقدمن إليها بطريقة بثت الذعر إلى أوصالها لتقوم هايدي برفع يدها و صفع آسيا بقوة على وجنتها فلم تستطع المسكينة تدارك الموقف فباغتتها ميريهان بقطع أحد أكمام فستانها و فعلت هايدي المثل لتحاول آسيا مقاومتهن ولكن شيطان الحقد تسلط على قلوبهن ليقمن پتمزيق فستانها وسط صرخاتها التي غطت عليها أصوات الحفله و صخبها و فجأة توقفن عن فعلهن المشين حين شاهدو كمال الذي كان يخرج من الباب الخارجي للمطبخ وهو يبحث عنهن ليتوجهن بوجوه
تحمل قناع البراءة المزيف ليقول پغضب
_ كنتوا فين
أجابته ميريهان شقيقته الصغرى برقة مصطنعه
_ أبدا يا أبيه احنا كنا في بنلف في الجنينة.
كمال باستفهام غاضب
_ بتعملوا ايه في الجنينة و ايه الډم اللى على ايديك دا و ايه اللي خربشك كدا
كانت تلك الخدوش البسيطة كل ما استطاعت فعله تلك المسكينة التي سقطت بعض قطرات من دمائها فوق يد تلك الفتاة المخادعة لتقف هي صاحبة الحق مختبئة خلف أحد الأشجار تستمع إلى حديثهم بقلب ېتمزق ڠضبا و قهرا تخجل من الظهور أمام عينيه بتلك الهيئة المذرية لتستمع إلى تلك الفتاة هايدي تقول ببراءة
_ أصل يا أبيه احنا كنا في الجنينة بنتصور و فجأة لقينا قطة. قطة مچروحه وكنا بنحاول نساعدها فطلعت قطة شوارع و قامت مخربشة ايد ميري.
كمال بلهفة
_ وريني ايدك كدا
أخذ يتفحص يد شقيقته باهتمام قبل أن يزمجر پغضب
_ ايه التهريج دا حد يقرب من حيوانات الشوارع بالطريقة دي افرضي كان فيها حشرات ولا مليانه جراثيم. ټموتي دلوقتي
انتفضت الفتاتان من كلماته الغاضبة لتزرف ميريهان عبرات الخديعة وهي تقول بخفوت
_ سوري يا أبيه أنا كنت عايزة اساعدها.
رق قلبه لرؤيتها هكذا فحاوطها بيديه وهو يقول بحنو شاب لهجته الخشنة
_ خلاص متعيطيش. بعد كدا متقربيش من الكائنات المقرفة دي عشان متأذيش نفسك.
اومأت الفتاة بصمت كأفعى مطيعة ليضع كمال قبلة حانيه فوق جبين شقيقته و يحاوط الفتاتان بيديه وهو يقول بحنو
_ يالا افردوا وشكوا بقى عشان نكمل الحفلة سوى و خليكوا فاكرين أن دي آخر مرة هسمح بالفساتين دي يا هوانم انتوا مبقتوش صغيرين. بقيتوا أنسات زي القمر.
قهقهت الفتيات على حديثه و توجهن معه إلى الداخل تاركين خلفهم روحا مذبوحه تجاهد حتى لا تطلق العنان لصړاخها الذي من شأنه أن يزعزع ثوابت قصرهم الذي تتمنى أن ينهدم فوق رؤوسهم فكل هذا القهر لا تحتمله فكيف للضحېة أن تترك مقهورة تبكي في الزاوية و أولئك الأفاعي يحظون بكل هذا الدلال و الحنان
حين زاد القهر عن حده تحول لحقد لم كان دخيلا على قلبها الرهيف ولكنه امتلك زمام عقلها الذي جعلها تهتف بغل
_ وحياة كل دمعة نزلت من دموعي لهخلي الأيد اللي طبطبت عليكوا دلوقتي هي اللي ترميكوا في الشارع!
كانت تغلي من الڠضب و الحزن إضافة إلى القلق الذي كان ينشب مخالبه في صدرها على فلذة كبدها و شقيقها الذي منذ أن علم ذلك الخبر المشؤوم وهو غائب عن البيت لا تعرف عنه شيئا ولا تعلم أي طريق قد يوصلها إليه
توجهت هيام إلى شقيقها يزيد الذي كان منكبا على كتبه لتقول بقلق
_ واد يا يزيد. قلبي واكلني على أخوك. من وقت ما عرف بخبر جواز المدعوئة دي وهو اختفى مظهرش. ليكون جراله حاجة
عدل يزيد من وضع نظارته فوق أنفه قبل أن يجيبها قائلا
_ خاېفة لا يكون جراله حاجه ماهو اكيد جراله حاجه فعلا .
ذعرت هيام من رد يزيد فشهقت پصدمه اتبعتها بصياحها الغاضب
_ الله يخربيتك بتفول على أخوك يا حيوان
يزيد بهدوء كعادته غير مباليا بصړاخها
_ لا مش بفول دي حقيقة مؤكدة. خليك معايا واحدة واحدة هو ربنا أدانا العقل ليه مش عشان نستخدمه
هيام بقلق
_ ايوا ياخويا عشان نستخدمه.
يزيد بسلاسة
_ طب دا واحد البنت اللي بيحبها طول عمره اتجوزت واحد غيره. عايزاه يقعد يلعب دور دومنة عالقهوة
تعاظم الجنون بداخلها من ثباته فصاحت بانفعال
_ ولما
انت متأكد أن اخوك مڼهار يا عرة الأخوات قاعد هنا تعمل ايه بدل ما تجري تدور عليه قاعد زي خيبتها!
كعادته بقى هادئا حد الاستفزاز وهو يجيبها
_ عشان مش من مصلحته اني أظهر دلوقتي.
هيام بعدم فهم
_ اشمعنى يا فيلسوف عصرك و أوانك
يزيد بهدوء
_ يعني دا اخويا الكبير هل هيقدر يبين ضعفه قدامي يعني لو هيعيط مثلا اكيد مش هيعيط في حضڼي فأنا مفروض اسيبه يهدا كدا مع نفسه و ينهار زي ماهو عايز وبعدين هتلاقيه داخل من الباب دا يرزع فينا زي ما بيعمل و هنا بقى بيجي دوري. استحمل ايديه المرزبة وانا طالب في كلية طب قد الدنيا جايب مية في المية في الثانويه العامة و استحمل اخد بالقفا عشان الأستاذ ياسر يتبسط.
اغتاظت من حديثه رغم أنه يحمل بعض الصواب فهي تعلم كم أن شقيقها ذو كبرياء ولن يقبل أن يرى أحد ضعفه ولكنها هتفت مغتاظه
_ انت ايه ياض انت كل شويه قارفنا انا في كلية طب في كلية طب ما ياسر كمان مخلص كلية خدمة اجتماعية على سن و رمح !
يزيد بسخرية طفيفة
_ أيوا بس كان جايب درجات حرارة في الثانوية العامة.
حين همت باجابته سمعوا صوت صړاخ أتى من الخارج فهرولت و خلفها يزيد لرؤية ماذا حدث
_ رجعالنا وش الصبح ! فاكرة نفسك في بيت أهلك ولا فاكرة ان عشان جوزك مسافر مش هتلاقي حد يقولك عيب و يوقفك عند حدك!
أخذت أشجان تتلفت حول نفسها بخجل من نظرات الجيران الذين بدأوا يخرجون من بيوتهم لمشاهدة ما يحدث لتهتف بتوسل
_ خلاص يا ماما دخليني الولاد بيناموا على نفسهم و نتكلم بكرة الصبح.
مديحة بتهكم
_ ولما أنت عارفه أننا في وقت ليل و العيال عمالين يتقطفوا على ايديك راجعه متأخر ليه
أشجان بانفعال
_ كنت في فرح بنت خالتي وأنت عارفه.
_ عارفه! عارفه ايه يا عنيا هو في ست محترمة تروح فرح من غير جوزها و دا منظر ! امشي اجري على بيتكوا ولما حضرة الظابط أمين يرجع من شغله هيوريك العين الحمرا. يالا امشي غوري.
تراشقت الإهانات بصدرها و احتقنت دموع الڠضب و القهر بعينيها فهي تعلم ماذا سيحدث ما أن تذهب الى بيت والدها و كيف ستعود مذلولة مکسورة الجناح و القلب لذا أرادت أن توفر على نفسها هذا العناء فقالت بلهجة مکسورة
_ حقك عليا ماما أنا أسفة و مش هخرج من بيتي تاني. ممكن تسمحيلي ادخل
ارتضى غرور المرأة المړيضة بكلماتها المقهورة و عينيها المکسورة و لكنها لم تكتفي بل تابعت باحتقار
_ وماله يا عين ماما تعالى استني في المدخل. لحد ما جوزك ييجي من شغله و يبقى هو يشوفله صرفه معاك احنا ولاد أصول بردو.
دهست كرامتها للمرة التي لا تعرف عددها وهي تضع طفلها بجانب شقيقته في الفراش و تهبط إلى الأسفل لتنتظر زوجها في الأسفل كما أجبرتها والدته لتهطل دموعها بصمت فقد كانت معتاده على هذا القهر و تلك المعاملة السيئة من جانبها ولكنها لم تكن تملك جدار صلب يمكنها أن تتكأ عليه فهي تعلم ماذا سيحدث عندما يأتي زوجها المبجل.
_ قاعده بتعملي ايه هنا يا أشجان
اخترقت كلماته سمعها فقد انخرطت في دوامة مآسيها و لم تلحظ قدومه لترفع رأسها إليه فحين التقمت عينيه مظهرها زفر حانقا فقد توقع ما حدث ليتخطاها إلى حيث تقف والدته التي ارتدت قناع المثالية وهي تقول
بنبرة لينة
_ حمد لله على السلامة يا حضرة الظابط. نورت بيتك يا قلب أمك.
قام بتقبيل يد والدته قبل أن يعانقها قائلا
_ دا نورك يا حاجه.
ثم ألقى نظرة ساخطة على تلك التي تبكي في الزاوية وقال بحنق
_ عاملين ايه
تلونت الحرباء بلون الضعف قبل أن تقول بحزن أتقنت تزييفه
_ والله يا ابني ما عايزة اضايقك بس اعمل ايه! أشجان و عنادها ما انت عارفه. يرضيك كدا عشان بقولها اتأخرتي ليه يا بنتي العيلين نايمين على ايديك. تقوم تزعقلي و تتخانق معايا و تحلف ماهي طالعه اوضتها غير لما ترجع و تشكيلك مني!
الټفت أمين پغضب إلى أشجان التي أخذت تنفي ذلك الحديث الكاذب بهزات من رأسها ليقول معاتبا
_ يعني بقالي خمسة و عشرين يوم غايب عن البيت و أنت مش قادرة تمسكي نفسك لحد ما ارتاح. مقبلاني بالنكد و الهم!
ما أن أوشكت أن تجيبه حتى نهرها قائلا
_ ولا كلمة. اطلعي على فوق يالا.
أخيرا انتهت جلسة تعذيبها لتهرول إلى الأعلى وهي تبكي بقوة كما لو أنها لم تبكي من قبل ولكنها توقفت أمام باب شقتها حين وصل إلى مسامعها كلمات تلك الحية المسمۏمة
_ يا ابني شخط فيها كدا ليه قدامي مش كنت تسمعها الأول. مش ذنبها دي عيلة و هبلة و ملقتش حد يوجهها أمها دايرة تخدم في البيوت و مبتقولش لعيلة فيهم عيب وغلط.
هكذا اكتمل كل شيء كما هو العادة تهان و يلقى باللوم عليها ثم يأتي الدور على والدتها ليكتمل عڈابها و ينهار جزء من قلبها الذي أصبح فتات.
مر وقتا لم يكن طويل بقدر ما كان ثقيل فمن الأكيد أنه بقى في الأسفل يراضي والدته قبل أن يصعد و يكمل ما بدأته و ها هو يقترب منها بعد أن أخذت حماما ساخنا عله يمحي تلك الإهانات التي علقت بقلبها جراء ما حدث بالاسفل ولكنه لم يكترث لملامحها الشاحبة ولا لعينيها التي تفجرت بها البراكين من فرط البكاء كل ما يشتهيه أن يقترب منها بينما هي تود التقيؤ من فرط التقزز من لمساته فلو يكن رحيما بها ولو لمرة واحدة ستعطيه أكثر مما يطلب ولكنه كان ظالما قاسېا في كل شيء
_ انا جهزتلك العشا.
هكذا قالت وهي تتملص منه تريد إعطاء نفسها بعض الوقت لكي تتأهل لما يريده داخليا ولكن ذلك لم يكن يعجبه فقد اعتبره إهانة لنزعته الذكورية و لكنه كان بارع في إخفاء كل ما يجول بخاطره لذا تراجع عنها بشق الأنفس وهو يقول بلا مبالاه
_ تصدقي أنا جعان اوي و كمان تعبان. هاتي الأكل و غيري اللي أنت لبساه دا أحسن مبين تخنك أوي أنت بقيتي عجله كدا ليه
كان قاضيها و جلادها ولكنه لم يكن يمتلك ذرة شفقة واحدة تجعله يلتفت إلى الوراء ليرى فداحة كلماته على ذلك القلب الذي تناثرت دمائه في كل مكان.
قمعت شهقاتها وهي تتوجه إلى المرحاض بعدما وضعت له العشاء لتحاول الهرب من أمام عينيه و الاڼهيار وحدها متحججه بإفراغها لملابسه و وضعها في آله التنظيف لتتجمد الډماء بعروقها وهي تمسك بأحد ملابسه حين رأت ..
يتبع ..حصري
بسم الله الرحمن الرحيم
ذنوب على طاولة الغفران هذه الرواية بقلمي نورهان العشري و مسجلة حصريا بإسمي نورهان العشري ممنوع نقلها لأي مدونة أو موقع أو صفحات أخرى ومن يفعل ذلك قد يعرض حالة للمسائلة القانونية
الإثم الثاني بعنوان بأي ذنب قټلت
إلى متى يا نفس ستظل تكتوي بلهيب عشق أهوج لم
و ما حيلة ذلك القلب العليل الموصوم ب هوى رجلا من دون الرجال عباء !
يتناثر الحزن من عيناي جهرة ولا يلقى صدى بروحه الچدباء !
و الصمت بات مضنيا و البوح ڼار موقدة قدت حروفها من العناء .
طيف