الإثم الحادي عشر رواية ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري
المحتويات
يا آسيا بس انا ماليش ضهر اتسند عليه.
آسيا بانفعال
_ و بابا راح فين يا أشجان على فكرة بابا نفسيته زي الزفت من وقت اللي حصل و زعلان منك و أن ازاي أنت فضلتي في البيت و مسبتيهوش و جيتي طبعا ماما مقالتلوش اللي حصل.
أشجان بألم
_ أحسن حاجه أنها مقالتلوش و يمكن أمين يتغير زي مابتقول.
صمتت لثوان قبل لأن تقول بحزن
_ أنت عارفة انا لية وافقت اشتغل عشان اخلص من شوفته هو و أمه طول النهار. بهرب منهم و من ظلمهم و قرفهم. بقول اهو الكام ساعة اللي بكون فيهم في الشغل برتاح منهم.
أسيا بحزن على حالة شقيقتها
_ طب لحد امتى هتفضلي كدا يا أشجان بابا لو عرف انك بتشتغلي في المكان دا مش هيسكت.
أشجان بتعب
_ هكمل هناك الشهر و اول ما يقبضوني همشي. ولادي محتاجين حاجات كتير و خصوصا أن الدراسة قربت وهو خلاص شال ايده و أنا مش هستحمل ولادي يبقوا محتاجين حاجه وانا مش قادرة اجبهالهم.
آسيا بحنق
_ أنت مفكره أنه هيسيبلك مرتبك أصلا! تبقي عبيطة. دا قاعد لاجيء يا حبيبتي. اي قرش هيحطه في كرشه هو و امه.
تفاقم القلق داخلها وهتفت بخوف
_ أنت بتقولي ايه يا أسيا لا استحاله. انا معرفاها اني هشتغل عشان ولادي و عشان اصرف عليهم.
آسيا بغضب
_ هتفضلي لأمتى عبيطة الناس دي جشعة و لا هتفرقي معاهم لا أنت ولا ولادك. دول هيمصوا دمك.
لم يكن ينقصها هما آخر يضاف إلى حقيبة همومها فقامت بإسناد رأسها فوق كفها بتعب لتقترب آسيا منها و تحتضنها بقوة قبل أن تقول بحنو
_ انا مش بقولك كدا عشان اضايقك. انا بس خايفة عليك و مش عيزاكي تتعشمي في اي حاجه من ناحية الناس دي.
أشجان بأسى
_ طب والحل
_ الحل انك متقوليلهمش أنت بتقبضي كام.
أشجان بسخرية
_ مقولش ايه إذا كان هي اللي جيبالي الشغل و عارفة كل حاجة.
صمتت أسيا لثوان تفكر قبل أن تقول
_ سيبيني كدا يومين بفكر في حاجه لو ظبطت هقولك بس أنت متروحيش المكان دا تاني. الراجل اللي كان هناك دا شكله مش مظبوط.
اه لو تعلم كان هذا استفهام مؤلم يدور بين حنايا صدرها لتقول بأسى
_ حاضر.
اللهم يا رزاق ارزقني اللهم يا فتاح افتح لي أبواب الرزق والخير اللهم يا غني اغنني اللهم يا غفور اغفر لي. اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله وإن كان في الأرض فأخرجه وإن كان بعيدا فقربه وإن كان قريبا فيسره وإن كان قليلا فكثره وإن كان كثيرا فبارك لي فيه.
مر يومين وقد أتى اليوم الموعود لتسليم الميزانيات التي كلفهم بها كمال ولكنها كانت بوادي آخر تقدم خطوة و تؤخر الثانية إلى أن وصلت إلى مكتب خالد وهي لا تعلم هل ما تفعله صحيح أم لا ولكنها لا تملك خيارات أخرى.
لم تجد ميرنا مديرة مكتبه في الداخل فقامت بطرق باب الغرفة لتسمع صوته الآمر يسمح لها بالدخول فأطاعته لتتوجه
_ صباح الخير يا مستر خالد.
خالد باختصار
_ صباح النور.
اشار لها بالجلوس فأطاعته قبل أن تتحمحم بخفوت وهي ترى عينيه التي تناظرها باستفهام صامت لتقول بحرج
_ انا عارفه أن حضرتك مشغول فمش هطول عليك. انا. انا كنت عايزة اطلب من حضرتك طلب لو ينفع
كان تلعثمها مثير للريبة لذا قال باختصار
_ قولي.
لم تساعدها لهجته ولكن لم يكن أمامها مفر لذا قالت بنبرة ثابتة
_ البنت اللي شغاله في الأرشيف مع أستاذ جمال مشيت و هو محتاج مساعدة فأنا كان عندي حد ممكن يشتغل مكانها
خالد باختصار
_ مين
احتارت هل تخبره الحقيقة أم تكذب ولكنها اختارت الحقيقة فقالت بخفوت
_ أشجان اختي.
صمت خالد لثوان وهو يسترجع ذلك الاسم قبل أن يقول بفظاظة
_ أنت ليك أخت اسمها أشجان
_ ايوا يا فندم. كانت احيانا بتروح مع ماما الفيلا عندكوا بس دا من زمان وهي اتجوزت و خلفت فأعتقد حضرتك مش هتفتكرها.
خالد باستفهام
_ و اختك مؤهلاتها أي
_ خريجة كلية تجارة بتقدير جيد و هي مشتغلتش قبل كدا الحقيقة.
صمت لثوان وهو يقلب في الأوراق أمامه قبل أن يفاجئها حين قال بنبرة يشوبها المرح
_ و انت بقى واسطة هنا في الشركة للي عايز يشتغل !
آسيا بلهفة
_ لا والله يا فندم. مش كدا خالص. بس هي كانت محتاجة الشغل ووو.
أوقفها خالد قائلا بجمود
_ متتخضيش و متبرريش يا آسيا. انا عارف دماغك فيها ايه انا بهزر مش اكتر. لما تطلعي خلي ميرنا تديكي ابلكيشن تمليه و تجبهولي امضي عليه و من بكرة تقدر تستلم الشغل.
لم تصدق حديثه فهتفت بحبور و نبرة متلهفة
_ بجد مش عارفة اشكر حضرتك ازاي يا مستر خالد. انا حقيقي. ممتنة لحضرتك جدا.
ابتسم خالد و أومأ برأسه قبل أن يقول بهدوء
_ ولا اي شكر و أنا عملت كدا عشان دادا رضا غالية عندي جدا.
كلامه اشعرها بالامتنان كثيرا لذا رسمت ابتسامة عريضة على شفتيها قطعها قدوم كمال الذي لم تفته تلك البسمة الرائعة التي تلون ثغرها و قد فاجأته مثلما فاجأه وجودها بمكتب شقيقه ولسبب غير معلوم فقد اغضبه ذلك الشيء كما أغضبها رؤيته لذا التفتت الى خالد قائلة بنبرة ودودة
_ طب عن إذن حضرتك و ميرسي مرة تانية.
اومأ خالد بصمت فنصبت عودها المغري لتتوجه إلى الخارج متجاهلة كمال الذي شعر بالغضب و الفضول لمعرفة لماذا تشكر شقيقه فما أن غادرت حتى قال باستفهام
_ هي بتشكرك على ايه
خالد بفظاظة
_ موضوع مش مهم. جهزت العقود
اغتاظ من شقيقه ولكنه لم يستطع أن يكرر استفهامه حتى لا يظن بأنه يهتم بالأمر فاقترب يضع أمامه حفنة من الأوراق قبل أن يقول بجفاء
_ اتفضل وانا هشوف الميزانية مع المتدربين و هجيبلك الأنسب فيهم.
كمال وعينيه لاتزال على الأوراق أمامه
_
كمال باندهاش يشوبه الغضب
_ نعم! و انت كنت شوفتها فين
كمال بفظاظة
_ مرتضى بعتهالي و راجعتها. بس انت كمل اجتماعك معاهم و اتناقش في السلبيات و الإيجابيات و حطلهم البوينتس اللي مفروض يشتغلوا عليها.
تعاظم الغضب بداخله لا يعلم عن السبب ولكنه لم يفصح عما يجيش بصدره إنما قال بجفاء
_ طب مش مفروض اشوفها انا كمان اكيد فيها تعديلات.
قام كمال بجذب حفنة من الأوراق و ألقاها أمامه فوق المكتب وهو يقول باختصار
_ شوف و اكتب ملاحظاتك وخليها تشتغل عليها.
لم يعلق إنما أومأ بصمت قبل أن يلتقط الاوراق و ينسحب إلى مكتبه وبداخله ينوي تفريغ شحنات غضبه بها لذا ما أن وصل الى هناك تحدث إلى مديرة مكتبه قائلا بنبرة جافة
_ اجمعي تيم المتدربين حالا معاد الاجتماع اتقدم.
_ حاضر يا مستر كمال.
وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى تجمع المتدربين حول طاولة الاجتماعات ليبدأ كمال في الشرح ومناقشة كل ميزانية و تسليط الضوء فوق نقاط الضعف و الملاحظات لينتهي الاجتماع بعد مرور ساعتين فجاء وقت الانصراف وحين همت بالمغادرة أوقفها صوته الآمر
_ آسيا.
التفتت تناظره باستفهام
_ نعم يا مستر كمال.
كمال بوعيد تعج به نبرته
_ أنت مطولة النهاردة شوية!
انصرف آخر شخص كان بالمكتب فلم يتبقى سواها برفقته لتقول باستفهام
_ مفهمتش يعني ايه مطولة
نصب عوده الفارع و توجه ليقف في مواجهتها قائلا بنبرة خشنة
_ هنقعد سوى نناقش الميزانية بتاعتك و نحط التعديلات. علشان هنعتمدها من أول السنة. يعني اعملي حسابك انك هتتأخري النهاردة.
اغتاظت منه حد انتفاخ عروقها من فرط الغضب فهي ترتبط بموعد عملها في خدمة العملاء بأحد الشركات وقد كان هذا العمل يساعدها كثيرا في اقتناء ملابسها الفخمة و أدوات التجميل و كذلك بعض الكورسات التي تأخذها لتساعدها في عملها بالشركة لتهتف بنبرة حادة بعض الشيء
_ طب ولو انا معنديش وقت النهاردة و معملتش حسابي
قاطعها بنبرة حاسمة
_ تفضي نفسك علشان اللي هنناقشه النهاردة أهم من أي حاجه وراكي.
آسيا بحنق
_ والله احنا متفقين أن في تلت أيام في الأسبوع انا بتأخر فيهم في الشركة و بناء عليه انا ظبطت جدولي أن التلت أيام التانيين انا فري فيهم فمينفعش أن حضرتك تيجي تقولي فجأة كدا هتتأخري.
كان غضبها مثير كثيرا لذا قام بوضع يديه في جيوب بنطاله وهو يقول بكسل
_ لا ينفع.
زفرت بحنق قبل أن تقول من بين أسنانها
_ تمام. ممكن تديني نص ساعة أظبط فيهم الدنيا
كمال باستفزاز
_ ربع ساعة كفاية. احنا ورانا شغل كتير.
ناظرته كما لو أنها تشتهي قتله فشددت على الأوراق بين يديها قبل أن تقول بحنق
_ شكرا لكرم حضرتك.
لأول مرة يكن قريب منها إلى هذا الحد الذي يمكنه
_ العفو. أنت تؤمري.
برقت عينيها من الغيظ و التفت متوجهه إلى باب الغرفة وهي ترغي وتزبد من فرط الغضب لتضع الأوراق التي بيدها فوق مكتب سلمى وهي تقول بانفعال
_ انا نفسي اعرف الراجل دا طلعلي منين
سلمى بعدم فهم
_ راجل مين
آسيا بحنق
هو في غيره! كمال بيه اللي طلعلي في المقدر.
كانت عيني سلمى تستقر على شيء ما خلف آسيا التي تابعت بحنق
_ بارد ومغرور و رخم و فاكر أن الناس كلها تحت أمر جنابه انا ناقصة بلاوي ياربي. عارفه انا لو امي داعيه عليا كل يوم الصبح يفرمني قطر كان هيبقى أهون عليا من التعامل مع الإنسان البارد دا!
أخذت سلمى تسعل بقوة وهي تنظر خلف آسيا التي تجمدت الدماء بعروقها حين شعرت بأنفاس متلاحقة خلفها تكاد تخترق جسدها من فرط سخونتها لترفع حاجبيها باستفهام فأومأت سلمى بالإيجاب ليهوى قلبها بين ضلوعها و تلتفت إلى الجهة الأخرى فإذا بها تصطدم بعينين كان كالزمرد الأحمر من فرط الغضب الذي تجلى في لهجة كمال حين قال
_ و أيه كمان!!
اللهم كما سخرت البحر لموسى والنار لإبراهيم والحوت ليونس والجبال والحديد لدواود والإنس والجان والريح والشياطين لسليمان والشمس والقمر والنجوم والكواكب لحبيب القلوب وسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أدعوك باسمك العظيم الأعظم وأسمائك الحسنى الشريفه وكل اسم سميت به نفسك أن تسخر لي من يخدمني في قضاء حاجتي
_ الله ينور يا عم حسان. الفصول شكلها حلو اوي.
هكذا هتفت غنى بحبور وهي تنظر إلى ذلك الطلاء الرائع الذي يلون جدران الفصول و الذي يتلائم مع الأجواء التي تريد أن تجعل الأطفال يستمتعون بها فقد أوشكوا على الانتهاء من توضيبات المكان و قد كانت هي أكثر من متحمسة لافتتاحه على الرغم من أنها كانت تتعامل مع هذه الفتاة روضة بتحفظ إلا أن الأخيرة كانت ودودة معها بشكل كبير و قد كان هذا يشعرها بالذنب فلو لم تكن هي الفتاة المرشحة لتكون زوجته لكانت أصبحت صديقتها ولكن قلبها يعاندها ولا يستمع لتحذيراتها ولا يزال يدق بعنف حين تلمح طيفه و الأدهى من ذلك أنه يغار حد الألم حين تتخيل أخرى معه.
_ انا واثق أنها هتبقى أحسن حضانة في البلد كلها.
هكذا اخترقت جملته أذنها ليأن قلبها شوقا و تنتفض دقاته ترقبا لقدومه ولكن سرعان ما اجتاح فؤادها نيران هوجاء حين استمعت الى صوت روضة المليء بالحماس
_ متحمسة اوي يا ياسر للشغل مع الولاد. انت متعرفش انا بحبهم قد ايه ايه اد غنى! أنت هنا
هكذا هتفت روضة حين رأت غنى تقف في أحد الفصول مع العمال مما جعله يستشيط غضبا حين رآها وسط هذا الجمع مع الرجال ولكنها كانت غارقة في أخدود مليء بجمرات الغيرة
_ أنت شايفة ايه
أخذت عيني روضة تطوف في المكان بأكمله وهي تقول بانبهار
_ شايفة
متابعة القراءة